عش أنت … إنا من " العائقين "!!. بقلم محمد بلال أشمل ، تطاون العامرة .

كتبهابدر الحمري ، في 9 يناير 2008 الساعة: 00:02 ص

                                 

 

 

         ما يتنادى به البعض حاليا من مفاهيم "التسامح" و "التعايش" بين الثقافات، وسعيهم إلى إنشاء "مؤسسات" لها ، ترعى مصالحها، وتسهر على مقاصدها، إنما هو من الحق الذي يراد به الباطل. فأما الحق فهو أن هناك ثقافتين اثنتين لا ثالث لهما؛ تعايشتا تاريخيا على أرض إسبانيا هما الثقافة الإسلامية والثقافة المسيحية، فيما ظلت الثقافة اليهودية تعيش على هامش الثقافة الإسلامية، وفي ظلها. وهذا ليس رأينا، بل هو رأي كبير مستعربي إسبانيا الراحل "إيميليو غرسية غومث" E.. Garcia Goméz  (1905- 1995) في حوار أجرته معه مجلة "أمية" قبيل وفاته بوقت قليل.

         أما الباطل، فهو أن هناك سعيا حثيثا لتجريب نمط آخر من أنماط التغلغل السياسي والثقافي إلى قلب الوعي الحضاري العربي الإسلامي بوساطة شعارات براقة- من مثيل ما أسلفنا- بهدف إسقاط آخر قلاع المقاومة  في وجه التطبيع العام مع العدو الصهيوني والامبريالي.

         وفي رأينا، إن لـ"التسامح" و لـ"التعايش" شروطا لم يتم احترامها، ومقتضيات لم يتم تقديرها. فالتسامح يكون في الحق لا في الباطل؛ فهل يرضى لنا هؤلاء أن نتسامح في الباطل؟ والتسامح يكون وقد ُضمنَ الحق لا وقد ُهضم؛ فهل يحب لنا هؤلاء أن نتسامح مع مغتصبي حقنا؟ والتسامح يكون وقد استقوى المرء لا وقد استضعف حتى لا يكون التسامح تسامح مذلة لا تسامح عزة؛ فهل يرانا هؤلاء أقوياء حتى نتسامح معهم تسامح كرامة لا تسامح مهانة؟

         هو ذا أيضا حال "التعايش" الذي يدعوننا إلى الإيمان به، ومن ثم إلى تطبيقه. فالتعايش يكون مع ثقافة "تتثاقف"، لا مع ثقافة "تتأفف" من ثقافات أخرى إذ تتعالى عليها، و يكون مع ثقافة "تتخارج"، لا مع ثقافة "تدخل" إلى عمق ذاتها إذ "تتنرجس"، و يكون مع ثقافة "تتفاتح"، لا مع ثقافة "تتغالق" على العالم في  "الملاح" فهل هذا هو حال الثقافة التي يراد لنا أن نتعايش معها؟ أليست الثقافة اليهودية ثقافة "مسدودة"  تعيش في "غيتو" مظلم، وثقافة "تتداخل" مع عناصرها البنيوية توراتيا وتلموديا؟ وثقافة منكفئة على ذاتها لأن ذلك من صلب عقيدتها؟ وثقافة مكتفية بوجودها لأن ذلك من مبررات كينونتها؟ ألا تزعم هذه الثقافة أنها "الأصل" وغيرها "الفرع"، لأن الله وقع معها "الميثاق"؟ ألا تدعي هذه الثقافة أنها "المركز" وغيرها "الهامش"، لأن ببدايتها بدأ التاريخ القدساني، وبنهايتها سينتهي التاريخ الإنساني؟ ألا تدعي هذه الثقافة أن ممثليها هم "الناس" وسائرهم  "الأمميون"؟

         إن "التسامح" فعل "تفاعل" من جهة، وينطوي على معنى "العطاء" من جهة أخرى؛ مما يعني أن أكون قد تبادلت العطاء مع غيري على شرط "المسامحة"، لا أن آخذ دون أن أعطي، ولا أن أعطي من يصر على نهبي، بل أن أمنع من منعني، وأن أعطي من أعطاني، وأمسك عمن يدأب على منعي محققا بذلك شرط "العدل" على وجه الواقع، ومرجئا شرط "الرحمة" على وجه الإمكان. إن الأخذ والعطاء في عالم البشر مترافقان وليس يصح أحدهما إلا بتمام الآخر، أما العطاء دون أخذ فهو من عالم الملائكة مما لا يصدق على عالم الأولين.  كما أن "التعايش" فعل "تفاعل" شرطه أن تعيش وأن أعيش، ثم أن نتعايش؛ لا أن تعيش بمفردك على حسابي، وتريد مني أن أموت حتى أتركك تنعم بحياتك وإلا سميتني "إرهابيا"، مع أنك تعيش من موتي، و تحيى على "عيشي الميت"، تعيش على "موتي العائش" محققا بذلك شرط "الظلم" على وجه الواقع، ومقيما شرط "الإرهاب" على وجه الإمكان. هذا دأبك حتى إذا ما عمدت إلى الدفاع عن عيشي وسط "إماتتك" لي، دعوتني إلى أن "نتعايش" فيم أنت هو العائش الأوحد. بل إني كلما تمسكت بحقي في "عيش كريم" في وجه ما تهيؤه لي من "عيش مهين"، رميتني بتهمة "الإرهاب" ، فيم أنت هو الإرهابي "الأمجد"!!.إن مفاهيم "التسامح" التي يبشر بها هؤلاء الناس لا هي من المفاهيم "المتسامحة" حتى "نتسامح" معها، ولا هي من المفاهيم "المتعايشة"  حتى "نتعايش" معهاولنقلها بصراحة: إذا كان سلام الشجعان لم يأت لنا إلا بالمهانة، فبم سيأت لنا تعايش المتخاذلين، وتسامح المنهزمين إن لم يكن بمزيد من الذل والعار؟ أليس هذا هو التطبيع بعين طبيعته، والتركيع بتعين حقيقته؟ كفوا عن استغفالنا فإنا من "العائقين"!!

achmobi@yahoo.es  

 



(*)الأخبار المغربية، الرباط العدد 23 من 11 إلى 17 مارس 2004.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فلسفة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “عش أنت … إنا من " العائقين "!!. بقلم محمد بلال أشمل ، تطاون العامرة .”

  1. هل أصبحنا سقفَ العالـــم ؟

    تحياتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر